منصور بن أحمد الهروي

24

منية الراضي في رسائل القاضي

ويبدو أن صديقه هذا كان عابثا لاهيا . فقد عرض به الهروي وألمح إلى بعض مآخذه ، ولعلها ورطة أوقعها فيها مجونه ، قال : « ثم تذكّرت ما لحقه من الوعد والوعيد ، حتى نسب إلى الزندقة مرة وإلى الخلاعة ثانية وإلى الجهالة ثالثة وإلى قلّة المبالاة رابعة ، ولقى كلّ عذاب بئيس ، ورمى بكلّ داهية دردبيس ، ولو لم يتداركه القاضي ، لكان الباقي أكثر من الماضي » . ثم عبر في رسالته - وهي جواب - عن شوقه لصديقه ، ووعده بأن يأخذ له بثأره بعد أعدّت العدة و « شحذت الصرائم ، وصقلت الصوارم ، وذرّبت الأسنّة ، وشدّدت الأعنّة ، وضمّرت السلاهب ، وكتّبت الكتائب ، ودبّرت العجائب . . . » . وهو في رسالته هذه يستشهد بأشعار سائرة للخنساء وأبى تمام والبحتري والمتنبي وابن أبي البغل ، ويضمن كلامه النثرى بشعر لبشار ، ويلمح تلميحا خفيا إلى شعر ماجن لدعبل بن علي ، ويدعو للشاعر أبى حكيمة بالرحمة ! ! « 1 » . وقريب من موضوع هذه الرسالة هزلية ختم بها باب المداعبة والمطايبة ، كتبها إلى شخص اسمه : محمد بن جعفر ، أكثر فيها من الممازحات والإشارات ، من مثل قوله يعلق على بعض الأعلام ، أو يسرد طائفة من التعبيرات التي تقال للدلالة على الشهرة والذيوع : « والجواب طىّ هذا الكتاب ، كتبته بالأمس وهو آخر يوم من تشرين الأول سنة ألف وكذا ، لذي القرنين والأذنين والعينين واليدين والرجلين ، ثم أدركني الكسل الذي تعرفه ، والضعف الذي لا تجهله . . . وهو على كل حال فصّ الخاتم ، ودرّة التاج ، وطرّة النساج ، وبصلة السّكباج ، وبسملة الكتاب ، وفذلكة الحساب ، وواسطة القلادة ، وبيت القصيدة ، وقبة العصيدة ، وبيضة البقيلة » « 2 » . وما سبق عرض لرسائل المداعبة ، كتبها الهروي إلى أصدقائه الخلصاء ، فمزج فيها بين جدّ وهزل دونما إسفاف أو إيلام ، واعتمد فيها على ما استطرفه من النوادر وما استغربه من العبارات ، وأظهر طلاقة نفسه وقدرته على الفكاهة ورغبته في التخفيف من ثقل العبوس ، « ومعاني المداعبات التي يستخدمها الإخوان غير متناهية والأغراض التي ينتظمها المزاح وتعدّ من طلاقة النفس لا تقف عند قاصية : لأنها مستملاة من أحوال متباينة ومأخوذة من أمور غير معينة ، وحصرها في رسوم جامعة يستحيل » « 3 » .

--> ( 1 ) انظر ما يلي : ص 137 - 140 . ( 2 ) انظر ما يلي ، ص 141 - 143 . ( 3 ) صبح الأعشى 9 / 225 .